قدس…
مرحبا أمي كيف حالك؟ ها أنا قد عدت من المدرسة
الأم: أهلا بك بنيتي لقد سررت بعودتك
أمي المعلمة طلبت منا أن نحفظ قصيدة ( سنقاوم)
الأم: حسنا يا قدس سنحفظها ليلا
إذن يا أمي بعد الغداء سأكمل واجباتي
وبعدما حل المساء على عجل وبعيد صلاة العشاء تجلس قدس مع أمها لحفظ القصيدة، فكانت القصيدة ملتهبة بمشاعر المقاومة وفيها حماس عظيم، تطالع قدس وجه أمها وإذ بدموع الأم تنهمر؛ لتسقط على عبارة في القصيدة (ودموع الثكلى تناشدكم) تألمت قدس كثيرا وتذكرت يوم استشهاد أخيها إبراهيم بانتفاضة محمد الدرة….
فعانقت أمها وهي تبكي، أمي اعذريني قد زدت من أوجاعك الأم: لا عليك يا قدس أوجاعنا شرف لنا
وبعد هذا الأسى نامت قدس ليلتها بأحزان أمها المفجوعة
وفي المدرسة صباحا يختنق صف قدس بأصوات التلاميذ وحناجرهم تدوي بأنغام النشيد
المعلمة تثني عليهم وتشكرهم ثم تطلب من قدس أن تقرأ النشيد بمفردها
قدس: وبكل سرور يا معلمتي أخذت تقرأ وبصوت شجي يلهب المشاعر وأذ بدموع المعلمة تنساب على وجنتيها ونحيبها يتصاعد حتى هوت على قدس تقبل برأسها
ثم واستها على مصابهم الجديد بسجن والدها في سجون الإحتلال لمدة عشرين سنة
قدس: لا عليك يا معلمتي أبي فداء هذا الوطن
فراحت المعلمة تصفق لشجاعة قدس وحسها الوطني و معها التلاميذ يهتفون لقدس وللوطن
وبعد انتهاء الدوام عادت قدس للبيت
أمها أهلا بك يا قدس خبريني بنيتي ماذا حصل اليوم معك في المدرسة؟ فأخبرتها بكل شيء
الأم: تفرح بما تسمع نعم يا قدس هكذا تكون محبة الأوطان
وبعد أسبوعين وفي يوم الجمعة تتفاجأ أم قدس بقوات الإحتلال تطالبها باخلاء المنزل لهدمه، فتصدم بهذا الأمر وحاولت منعهم دون جدوى حتى استخدموا القوة لإخراجها وسحبوها أرضا
قدس تبكيها وهي مفزوعة بما ترى وتجر خلفها حقيبتها وتحمل بيدها الأخرى صورة والدها
عندها أخذوا شباب الحارة أم قدس من بين أيدي قوات الإحتلال وهي تصرخ [سنقاوم سنقاوم] لتمر الأيام ثقيلة حتى نزلت عند خالها السبعيني وزوجته المقعدة في بيت صغير وبقيت على هذا الحال لمدة شهرين وبين الحين والآخر تذهب لبيتها فتراه ركاما من الحجارة فتزداد مأساتها
وفي يوم عاصف وصلت المختار أخبار سرية أن قوات الإحتلال تنوي اعتقال أم قدس
فأسرع لتدارك الأمر، وكلف مجموعة من الشباب لكي يخرجوا قدس وأمها إلى أطراف المدينة
وتم ذلك بحمد الله
عندها اعتقلت قوات الإحتلال خالها المسكين للتحقيق معه
وبعد تفاقم الأمور قرر المختار اخراجها وابنتها إلى الأردن نجحت المهمة أخيرا
لتصل قدس وأمها إلى العاصمة الأردنية وتسكنان مع عائلة فلسطينية مؤقتا
وبعد شهرين قررت أم قدس السفر إلى أمريكا حيث هناك أقاربها وتحقق لها ما تريد
لتلتحق قدس بعد ذلك بالمدارس العربية هناك وتكمل مسيرتها الدراسية حتى تخرجت مهندسة معمارية
وبعد مضي عشرين سنة تعود قدس المهندسة مع والدتها والتي انحنى ظهرها قهرا على فراق الوطن
عادت قدس وبيدها ذكريات الطفوله حقيبتها وصورة والدها لتقف أمام بيتهم لتتفاجأ ببناء جديد وجميل لكنه مقفل
ليمر أحد وجها المنطقة ويسلم عليهما ويعرض المساعدة
شكرته قدس كثييرا، ولكن يا عم كيف أصبح هذا المنزل بهذا الشكل؟! ولم هو مقفل؟! ولمن؟ ضحك الرجل ثم قال لها
يا بنيتي بعد الإتفاقية الأخيرة وانسحاب المحتل من منطقتنا قرر وجهاء المنطقة بناء هذا المنزل بعدما كان مدمرا وأغلقوه حتى يعود أهله إليه
قدس: طيب يا عم ومن أهله؟
الرجل: المنزل لعائلة قدس وهم في المهجر أجهشت قدس بالبكاء ونزلت أمها أرضا للسجود
تعجب الرجل ما خطبكما؟! من أنتما؟!
رفعت قدس الصورة بوجه الرجل هذا والدي، تفاجأ الرجل إذن أنت قدس، نعم أنا قدس وهذه والدتي
عمت الفرحة بعدها المنطقة وتجمع الناس من حولهما وعرف زعيم الحارة بالأمر عندها طلبت قدس من الزعيم زيارة المقبرة، لتزور قبر أبيها وأخيها
الزعيم رحم الله والدك لقد مات في سجون الإحتلال وأخيرا عينت قدس في هندسه المباني في بلدية مدينتها وأول عمل قررت القيام به هو ترميم مدرستها الإبتدائية.
أركان القيسي العراق
