ابو اكبر فتحي الخربشا

★ الظلم ★
شابٌ يتقدم من وسط الجمهور نحو آدم، وفي جسدِهِ نحالة كأنَّ لحمهُ لاصبٌ على العظمِ، أغبر أشعث لكأنَّهُ خرج من وسطِ أنقاضِ حطامٍ ومهيلِ رملاءٍ، غير أنَّ وجههُ مشرقٌ بضِيَاءٍ بهيٍّ، وبصوتٍ وَاثقٍ عميقٍ يختلجهُ شجو أنغامٍ حزينةٍ قال:
يا آدم الأخ المعلم النورانيُّ خبرنا شيئا عن طغيانِ وعبثِيَّةِ وتعسفِ الظلم.
أشار آدمُ إليهِ أنْ يقترب منهُ إلى جانبهِ، هنيهة أدام آدمُ النَّظر إليهِ ثمَّ توجَّه نحو الجمهور وشرع قائلا :
إن لنا من ذاتنا الكُلّية ما تفوق ذات الحياة هَذِهِ التي نحياها والطبيعة بمختلفِ مراتبِها قدَّامنا، وتعلو على كل معطيات هذا العالم الذي نحسهُ ونعيهُ، لأنَّ الدمعة التي تنحدرُ من مآقِي جمالِ أنفسِنا العُليا تكفي لأنارةِ كلّ الكونٍ وما خفِي من أكوانٍ بفائِقِ رُواءِ البهاءِ.
إننا حقّا المظلومُون ولكن لنا من تجلياتنا ما يُرقِينا فوق الظلمِ، لأنّ في عبور المرقاة للكمال في حياتنا التي نحياها واقع لا بدَّ أنْ نتعامل معهُ بكفاءةِ ٱرتقاءٍ ومصالحةِ واقعٍ، وعلينا أن نمضِي بمحبَّةٍ وثباتٍ على طريقِ الأملِ ولو كان كلّهُ مفروشا بالأشواكِ ومُلغمًا بالعثراتِ وعليهِ تخيِّمُ الظلمات.
إنَّ الّذي يسمو بِنفسِهِ حَتَّى يصبح إنْسَانا كاملا عَنْ سائِرِ الكائناتِ والأبشارِ لِنقطةِ جوهرِ النّورِ الأسْمَىٰ، ثمّ لَا يجد إلّا العُبُوديّة والقهر والضّعة والحرمان والسّذاجة تحيط بهِ منْ كُلّ صوبٍ، الحريُّ أنْ لَا يسقط رافضا كُلَّ مَا حواليهِ لقبضة الٱنهِيار, بَلْ مقررا موطئَ قدمِيهِ على راسخةِ فهْمِ الواقعِ ورافعا رأسهُ بشموخ إتزانٍ بغير غرورٍ وجاعلا أجنحة أخيلتِهِ عميقة في واسع فضاءاتِ النورِ، ألآ إنهُ ودائما في تقدمِ صعودٍ وغبطةِ ٱنتِصَارٍ.
إن الإنسان حين يُظلم بسوطِ الجورِ تنزفُ مشاعرهُ وجع الآلام، يحسُ الهزيمة تقشط جلدهُ عن لحمِهِ بمخالبِ العذابِ، ويصير مذاق الحيفِ في فمِّهِ علقما سُميّا، لأنّهُ في عين مهجتِهِ أعظم منْ كلِّ جراحِ الضَيْمِ تبكي مُتأوّهة نفسُهُ أسفا على ما ألمَّ بهِ من حسرةِ قهرٍ، فلا اِنْكِفاء.
الحريُّ يا أخي إنَّ الّذي ينهضُ من وسطِ حطامِهِ أو من حفرةِ الأسرِ ودامِسَةِ الظلمةِ هو الشّجاع المستحق مكافأة الحياة لمَّا نسمتهُ الحرَّة تمتصُ رحيقَ رواء الوجودِ من ثديها الناهد بالجمال، فلا يأس وٱنكفاء.
الجوع حين يفترسُ أحشاءَ الإنْسَانِ بمخالبِ البؤسِ وحينما يتشرد فِي العراءِ وعَليهِ الصَّارِدَة أو يغطيهُ المَلُّ دون مأوىٰ أمانٍ يحميهُ وغرفة ماءٍ تذهبُ أوارَ العطشِ، وحين يَنقضُ الحرمان ممزقا سكينة نفسَهُ بقسوةِ الشقوةِ، ولا يجد مَا يحتاجهُ للمضي قدما بجناح نسمةٍ لنبضة ٱرتياحٍ، وكذا حين يجد أنّهُ الفريسة الضَّعِيفة أمام كمائِنِ مخاطرِ العيشِ وبلايا الشرورِ والأمراضِ تربضُ في دربِهِ وأفقهُ لِلمجهول لغموض موت، وكلّ مقتنياتِهِ وأفعاله وأهوائه وأمنياته وطموحاته لمهب ضَرِيم الرِّيح وتنقضي لهباءٍ، وَلَا حقيقة أقوى من العبودِيَّة والتلاشي في وُجُودِهِ نحو العجز والأفول، وهو أكبر وأجل وأعظم من كلِّ تلك العبثيات الفوضوِيّة والخفِيّة, يحس قسوة الاِضْطِهَاد سافرة عن أنيابِهَا العدوانِيَّةِ تقصد وبتربص تعذيبهُ وهلاكهُ ودون معركة متكافئة بذات السلاح ولا حتى وجهًا لوجهٍ، بل بشرهةِ ٱضطِهادٍ مشرعة أسنة التعذيبِ وبأرزاءِ شقواتٍ تتلفع بشراكِ غدرٍ متجبرة عليهِ بِمقيتِ الحيفِ، فأبدا مهما نشب مخالبهُ الظّلمُ وتجبر بٱخْتِيَالِ الطغيانِ فلا ٱنْكِفَاء.
إنهُ الظّلمُ يحيقُ محاصرًا الإنسان كالنّارِ حول العَقربِ إمَّا الموت حرقا وإمّا الاِنتِحار، وكشبكة العنكبوت في ٱصطياد الفراشات، تعذيبٌ بلا أدنىٰ شفقة وٱمتصاص دماء بشراهة ثم بعنف القتل, إنّهُ الأضحية على مذبحِ ألهُوَّةِ الشرِّ ولا مناص كالجزورِ على الوضمِ، ألآ لا اِنكفاء.
إنَّهُ الظلم بلا واعية ما وَعى سِرّ النّون ومَا حَوىٰ ومَا شقّ كبدَ الظلمةِ والقيدَ حَطَمَ، أمْ مِن البحيرة إلى البَرِّ ليموت فوق الرِّمال أمْ الّذي على الشَّاطئ لغيابةِ المَوجِ وفوق الأرضِ للخسفِ، لوْلا قليلٌ من عزيمةِ الصَّبرِ على درب المُثابرة, لولا الإنسانُ للمطمئنة وما أفاضت من سكينةٍ, فلا ٱنكِفاء.
إنَّهُ الظّلم يحاصرُ الإنسان عدوانا وتجبرًا، إنَّهُ سُمُ الأفعوانِ الزّعاف حين يُسكب في الدَّمِ الحارِ، اليبابُ على الأرض البُصرةِ، إنَّ مُستقاهُ من منقعِ الأوباءِ لبخَّاخة بلايا التبابِ في مهجة الحياةِ وفوق الرؤوس ينبش بالخرابِ، ليكن ذلك الشّرّ, فلا ٱنكفاء.
إنّ الّذي يترك المعركة وإنْ قبيل اِنتهائِها لا حماسة لديهِ، وَبِالحرِيِّ ليْسَ مِن المؤمنين بِكُنْهِ الحياةِ لسِرِّ الإنسانِ، ٱنظروا إنَّ هذهِ المرتحلة كأنَّها حقلُ ألغامٍ لا ترحمكُم برأفةِ من تجَاسُرِ عصفِ الجورِ، يكون الإنسانُ في رحمِ أمّهِ فيحترق ومشيمتِهِ في حمَّمِ الُبركانِ الجارفِ بعماءٍ أو بسعيرِ لغمٍ حاقدٍ أو قذيفةٍ عمياءٍ، الحياة قدما لمَّا هي بين إيدينا وبنا تمضي فلا اِنْكِفاء.
ومِن الناس مَنْ جاء وليدا بنعمةِ النسمةِ فتدمر منسحقا في قلب روادمِ جُنُونِ الزّلزالِ مهشما بين الأنقاضِ ومختنقا بترابٍ ولم يزل غضَّ الإهابِ على أثداءِ شجرةِ البسيطةِ بين سُمُومِ أثيرٍ وعكرِ ماءٍ، فلا ٱنكفاء.
ألآ ومِنهُم في طفولتِهِ البريئة وهو لا يرىٰ إلّا الجمال وحلو الأمل وضياء النهار حواليهِ وأمامهُ الرَّبيع جرفتهُ قوىٰ صراعات البشر وقودا لنيرانِ الحربِ محترقا مهشما مختنقا إلى هاوية التشرد والضياع، وثارت عليهِ عناصرُ الطبيعةِ الغضوبِ تكفنهُ قبل حتىٰ أنْ يبلغ أشدهُ بمتِينِ جناحٍ، فلا ٱنكفاء.
ألآ الترحة بالأسىٰ على الذي لمَّا تفتحت معرفتهُ بوعي مُرتفعٍ حين فتوة الشبابِ والأحلام تزاورهُ على أهدابِ الأملِ تردَّم لقيودِ العبودةِ بغضبِ الإعصار المتجبر بويلات التناقضات والصراعات التافهة الممزقة التي تنخرُ في شجرةِ القطيعِ بالبلايا والأوباء، وجد قلبهُ المفعمُ بالأملِ على مذبحِ الأنانيَّة تذبحهُ سكِين القهر على أرصفة الحرمان وحيدا وعلى مفترق المتاهات التي تغطيها غطشِ الظلمة ويخيمُ عليها ضبابُ الإلتِبَاسِ، فلا اِنكِفاء.
ألا الأسف على كلِّ أحدٍ في سنوات رجولتِهِ حيث رفع بنيانهُ عاليًا للعطاءِ لم يجد الحقيقة حين أشعل سراجهُ للأعلىٰ إلّا غريبة تغطيها سخفة القشورِ والظاهرُ المزيفِ وصمّا بُكمًا عميانا كلما ضرب في ٱتجاهٍ وجدهُم على بعضِهِم كما النِّفاية يَتراكمون، أبناءُ جلدتِهِ يقودهُمُ العميانُ كما تقاد الأغنام وقد تعاموا عن حقِّ الإخلاصِ لجمالِ الحياةِ من بَشاعة نيران حمّىٰ الأثَرَة التي ترنو على أبصارِهِمْ بالعماوةِ ومن بلهاءِ العصبيَّة التي في صدورِهِم تتأججُ بالحمقِ والغباءِ والوغرِ، وحرقا أرادوا كلَّ ناطقٍ لحريَّةِ البيانِ لنيران التكفير فلا نور فتيلة شمعٍ ذائب يرون وما لهُم لصدق المحيا من حقيقةِ ٱنتِماءٍ، ولمَّا بعثرتهُ عواصفُ المهلكات شريدا صنو حطاما في ضبابِ أمنياتِهِ لكأنّمَا يجري وراء سرابٍ وثمارهُ تساقطت لموقد النيران، فلا ٱنكفاء.
ومن الناسِ كذا في زمان كهولتِهِ وأناشيد الحصاد تملأ روحه بعثرت الرِّيحُ آمالهُ والتهمتِ الحرائـقُ بيـادرَهُ وكـسـرتْ الأمـواجُ مجـاديفـهُ وٱبتلـعت المياهُ أحلامَهُ بقسوةِ الهلاكِ، وأحاق الظلامُ ضياءَ واعيتِهِ بِمخالبِ الاِفتِراس، وشققَ التصحرُ سويداءَ خضلاءِ فؤادِهِ, فلَا ٱنكفاء.
ألآ كلٌّ في طاعن الشيخوخةِ وهو متأمّلٌ في حكمتِهِ تنقضُّ عليه سمومُ الضِّنَىٰ من فواتك أحراضٍ والذوبُ يفتك بأعصابِهِ بلا رحمة تتفتت نفسُهُ بالأوجاعِ وتتقطعُ أوصالهُ بالآلام التي تمزقُ لحمهُ بالبلايا وتسلمُ دمهُ للأمراض، ولقوارص البرد يصير جسدهُ ورُوحهُ تسرح ذاهلة عما حولها لأودِيةِ الغفوةِ على وِسادةِ النسيانِ، قدماهٌ متزعزعتانِ برعشاتٍ تهرب من جاذبيَّة الأرض ورأسهُ هيّن على عصف السَّماءِ لنثير حطامٍ، ألآ نولد لنموت فلا ٱنكفاء.
وحتىٰ وهُو لمآلةِ جثة فوق أديمِ الترابِ تتناهشهُ جوارحُ الطيورِ والوحوشُ الضَّارية والدِّيدان الحقيرة والجراثيم الخسيسة، أو لموقد النّار متفحما لرمادٍ, أو لتحت الثرى تغزوه الخشاش ووضيعة الحشرات, روحهُ لا يدري أين ترف ولأين تؤول، ٱنحلالٌ لعفاءٍ وضبابٌ في ظلمةٍ فلا أسف وحسرة لا ولا ٱنكفاء.
فأيّ ظلم ذلك الذي يقصد الإنسان بدمامةِ كراهيَّةٍ وشناعة حقدٍ وقميئة غضب وهو يجد الصُّعود عاليا بالنّورِ لعمقِ النورِ، أبدا مهما طغىٰ التجبر عليهِ وتقبَّح بلؤمٍ فلا ٱنكفاء.
قد يغدو إن اليوم الذي يمضي على الإنسان هُو من وجودِهِ وجزء منهُ لا يفنىٰ ولو صار لفناء في النسيان ومتخطفا من ذاكرةِ الوجودِ الكُليَّة، أقول قد تكون كلُّ مآتيهُ قائمة فيهِ لا تنفصم عنهُ أبدا، كذلك من ظنٍّ ما تضَحْضحَ ليَقِينٍ عمرُ الإنسانِ بِكُلِّ أيامِهِ فِي حياتِهِ هَذِهِ لَا يؤول للٱندثار, وإِلّا عَلى مَا تشاؤون ولكلٍّ أنْ يعتقد بما يشاء، فلَا ٱنكفاء.
وكذلك عاجزة الحكمة قدام ما أصاب الإنسان من ظلم إن لمْ تقودهُ رغم كثيف الضّباب والدّخان للأمام لخلاص صدق، ولا نفسٌ سوِيَّة تواقة لصفاءِ النور ورائقِ الجمالِ تبيح سُلطوِيَّةِ التجبر جاعلة من الإنسانِ شطط ألعوبةٍ لشطحاتِ تسليةٍ بيد أهواءِ العبثيةِ، لا ولا لأيِّ قوّةٍ منظمةٍ ظاهرةٍ لعيانٍ أو خفيَّة متوارية وراء كواليس تتعبَّد العسجد والشرير، ولكـن ليخـض حربهُ الإنسان ضد شرور نفسِهِ أوّلا ثم ضدّ كلَّ مَا حواليهِ من مستقوين ومفسدين وأعداء فكلُّ ما فوقهُ دونهُ لولا مشيئتهُ هُو أنْ يشاء، فلا ٱنْكِفاء.
ألآ حين يعقك وعنك ظهرانِيًّا والداك أو أحدهُما من تقاطع أعتقاد أو من ٱعتِلالِ نفسٍ وأخيك بنذالة الأنانِيَّةِ يستلب حقك في الحقلِ ويصير هو لك العدوّ اللئِيم الفتان، عمُّك وخالك وما نتج عنهما من شمارِيخِ نباتٍ حبلَ نجاةٍ وأنت في ظلمة الجُبِّ إليك لا يلقون، حين أزلام حكومة بلدك الفاسدين يضطهدوك وأبناءُ وطنك وأنت على رصيفِ الحرمان والقهر يدا لبعضِ خيرٍ أو لنصيرةِ عونٍ لا يمدُّون، تحرر من المستنقعِ وٱمضي قدما فلا ٱنكفاء.
أأنت إنْسَانٌ حين تقف على قتلِ أخيك أو تعذبهُ بظلمٍ من أنانِيَّةٍ وشرٍّ، فأيِّ قوَّةٍ تلك التي تعينك على تبرير فعلتك النكراء قدَّامها ولا تضع على عنقِك طوق القصاصِ, وأيّ عذر لك في ذلك وهو بريءٌ لمْ يجنِ عليك من قريب أو بعيد شيئا من البُجْر، إنَّ في ذلك بعض من ماجن ثوراتك فٱهدأ لتنكشف لك أنوار الرَّحمُوت, تبابٌ من حروبِ الدُّلسةِ ومجازر دمويّة وصراعات أحقاد ليباب أكثرها من صنيعةِ الفتان وأتباعِهِ العميان، ألآ الحريُّ التقدم برغم ماجنة نفوسٍ بما تسفهت فلا ٱنكفاء.
إن هذه الحياة التي تحياها يَا أيُّهَا الْإِنْسَانُ بِكُلِّ مَا فيها بالتأكيد إنْ كنت من العارفِين الصَّالحِين هي دونك مهما كانت تتألق على قمَّةِ جمالٍ أو عنهُ تتحدر، إن كنت في الكفاحِ والخير والمحبَّة في صعود مراقي الرَّابية، وكلُّ الآخرين من مضطهديك بلا حقّ بَيّن وسلطان عدل هُمْ سُذّجٌ حمقى تافهُون ليس لهُم مهما تعالوا أنْ يتساموا عليك ولقدّامك ما لهُم من شارق مكان، وكذا قوىٰ الطّبيعة الغاضبة سيّ فواتِك الأوباءِ ما ترىٰ منها بعينك وما تخفَّ عن البصرِ التي ترومك لعذاب أو هلاك ٱحترز منها بذكاء مقاومةٍ وتصدي وأمضي قدّما فلا ٱنكِفاء.
ولتعلم أن عدوّك الحقيقي الذي يستحق منك التأمل العميق والوقفة الجادة والعناء الدؤوب وخوض المعركة ضدهُ بقوةٍ ذاك الشرُّ الكامنُ في نفسِك الذي يفتكُ بذاتِك وذات أخيك الإنسان، فبوعي معرفتك تواجهُ الطبيعة وما ينكشف من عالمك من شرورٍ متحديا كلَّ ما يعترضُ سبيلك نحو الترقي للأفضل ضمن المتاح والممكن، ولكنك مع ذاتِك وأخيك الإنسان لا بدَّ من المصالحة لحقيقة السَّلام ولسكِينة الطمأنينة بالمحبَّةِ والحريَّةِ لتصير حياتك مسرَّة بنعمة الخير وإلا هي الجحيم بالشرِّ المستطير.
إنك أمام أخيك الإنسان الذي إذ ما كشف الغطاء عن جوهرِ النفسِ هو أنت، الحريُّ سموًّا تسمو وإياهُ لنور الذات الكليَّةِ الكُبرىٰ فوق حطام هذه الحياة وتجبر كلِّ ظلمٍ، فٱفعلوا أعمالكُم أيُّها الإخوة للخير في المحبّة والحريّة والسلام، لأنكم بكليَّتِكُمْ أعظم من كلِّ الوجودِ رغم الظلم الحاقد المتعسفُ عليكم بٱندِفاقِ الشقوات، ألآ عن دربِ الإنسانيَّةِ الحريُّ لا ٱنكفاء.
إنَّ للظلمِ أشكالٌ كثيرةٌ ومَا أخذتني الحيرة لتأملٍ صامتٍ عن النُّطقِ إلا قدام قلوبِ العاشقِينَ التي نالَ منها الظلم بِسخونةِ العبراتِ وبِدَامي الكلوم، إن ذلك الظلم أشبه بالنارِ التي على فتيلةِ الشمعةِ المشرقةِ بالنورِ.
ألآ إنَّ أقبح أنواع الظلم ذلك الذي يمارس بٱسم الدين على أنَّهُ عدال أحكام الشريعة، وكذا ذلك الظلم الذي يمارس باِسم قوانين وأنظمة الدول والذي يتدفق على الناس من آجن مستنقع العصبيات وفساد السلطات.
إنَّ النفس التي ترضخ للظلمِ هي نفسٌ دونِيَّة وفي الٱسترقاق مدمنة على مذلة العبودة، فمَا نفس حرّة علويّة إلا كانت بِحرب ضروس على كلِّ ظلمٍ وطغيان، فليلزم كلّ الناسِ الأحياء المقاومة الذكية، وليلزم كلٌّ حدّهُ دون تجاوز وتعدّ، لا على نفسِهِ ولا على حقوق الآخرين.
ألآ ما عجبت إلا من المظلوم الذي تذوق علقميَّة سمّ الظلمِ إذ تحول من بَعد ضعفٍ لقوَّةٍ إلى متعسِّفٍ مستبدّ، فأيّ مقاوم هذا الذي صار من بعد ٱنتِصَارٍ بِدورِهِ هُو الظلومُ الغشوم إلّا إنَّهُ طينة منقعة بالخسَّة كان وما يزال ومن الجبناء المفسدين.
ألآ إنَّ الظلم خبيثة الرَّذائِلِ وسمِّ فساد النفسِ إذ تتقطرُ منهُ آفاتِ القبحِ على الحياةِ والناس، ومَن يفعل الظلم هو النجسُ اللئيمُ الخبيث، ومَن لا يقارع الظلم وبكلِّ ما أوتي من قُوَّةٍ لَهُوَ العبدُ الذليل القميء.
إنَّ الظلم قهرٌ للنفوسِ يشعلُ فيها الألم والعذابَ والقهر والحقد والكراهيَّة والنقمة والٱنتقام، إنهُ يأجج ٱشتعالات نيران غضبٍ في الأنفس، ويفسد المجتمعات ويهدم الدول أو يثنيها عن حقيقةِ الٱرتقاءِ.
إن دموع القهر حرىٰ تنبع من الظلمِ ولا تهدأ إلّا حين عليها نسمات السكينة التي تهبُّ من أجنحةِ الطمأنِينةِ، كذا التمردُ على الظلمِ يُشفي أكثر الكلومِ التي أحدثها الظلم، ولا يكون التمرد نبيلا بالٱنتِقامِ وإِنَّما جمالُ التمردِ حين يهزمُ الظلمَ ويُحققُ العدل.
صمت آدمُ قليلا ثم أردف قائلا وفي صوتِهِ أنغاما وتراتيلا :
ألآ أنشد معي يا أخي الإنسان بصوت أعمق من صوتِ هبوبِ الرّيح في يومٍ عاصفٍ بمطرِ ماءٍ وندفِ ثلجٍ وبأرق من صوت النّاي ساعة السحر، ألآ ٱنشد على أوتار أنوار التجلي الأسمىٰ أو ترنم قائلا :
يا أيها الإنسان إنك لسّام مُتسام ..
رغم أنك ألعوبة بيد عبثيةِ الظلم وأضحية قوىٰ الطبيعةِ العمياءِ ..
رغم أنك هدف سهام وحشيَّةِ الأشرار ..
التعسفُ الظلمانِيِّ بوقاحة يُعذبك بقسوةٍ لهلاك ..
ٱسمو بعظمة ذاتك وقورا بسناءٍ..
ٱرتفع فوق العبثية بحفظ حياتك في هذهِ الحياةِ التي تحياها وبيئتك لخير النماء ..
لأنَّ نفسك أعمقُ من كلِّ المحيطات والبحار وأغزر أسرارا من أكوانِ كلِّ فضاء ..
لأنَّ أهواءَك أكبر طاقة من العواطف والأعاصير ومهما تعاظمت أنت قادر لقبضتك لجمها بمحكمِ لجامٍ وزمام ..
لأن عواطفك أرق من النسماتِ اللطيفة وأحلىٰ من حلاوةِ الشهدِ ..
لأن روحك أوسع من حدود أفقٍ وآفاقٍ وأكثر إشراقٍ من ضوءٍ وضياء ..
لأن آمالك أبهىٰ من كلِّ ضياءاتِ الشموس ..
لأن قلبَك رحمانيٌّ محبّ أكبر من حقدِ زلزالٍ وبركانٍ وشرير ..
لأن عقلك أعقل من الطبيعة تتصرف فيها سيدا بحكمةٍ وإتزان وغناء ..
لأن مرآة أخيلتك أعمق وأجلىٰ من ماهية الليل وغير محدودةٍ مداياتها من أخاديعِ ظلماء ..
لأنَّ قدمك في أعمق هاوية والأخرى فوق قمَّةِ الجبلِ الشماء ..
لأن رأسك شامخٌ بالسموِّ الإنسِيِّ العظيم ..
لأن سماءَك أعلىٰ وأبهىٰ من سماءِ أيِّ كون وما أخفىٰ من سماء ..
لأن طموحك فوق كلِّ الكائنات لا متناهٍ لعرش وجودك..
لأن جسدك فيمَا حولك الألطف والأجمل والأفضل والأكثر تناسقا وذكاء..
لأن شعورك أعمق من مآتي الأزل وأبعد من الأبديَّةِ ويفيضُ حبّا للحرِيَّةِ وعشقا للجمال ..
لأنَّ وإنْ كان من الطبيعةِ بعض عدلٍ فمنك كامل الإنصاف ..
لأن تواصلك فوق دورةِ الدهور لك أنْ تخط في سجلِ طومارِك لِمَا بَيْن يَديك وَاقع الحُسَّان ..
لأن لك الإنْسانِيَّة الحبيبة والدَّرجة العُليا ..
لأنّ لا محالة الإنسِيَّة هي معتقدك وٱتحادك الأسْمَىٰ ..
أنت ترقى فوق العبثيَّةِ وتسمو متسامقا لأعاليك ..
تعلو على الظلمِ بتعسفِهِ مهما تجبر وتوغل في الٱضطهاد ..
بطوبىٰ السَّكِينة ومتوقد الإرادةِ أنت تهزمُ أصنامَ كلِّ تعصبٍ وما ظهر أو توارىٰ من عدوّ في علن أو خفاء..
تحطم كبير الأصنام وتطلق أجنحة ذاتك الحرَّة لمقامك الأعظم ..
ألا الحقُّ ما أحاق بك الظلمُ أنت هُو المنتصر إن كنت أنت هُو الإنسان ..
نُور بصيرتك حجَّتك معك فٱمضي قدما فلا قهقرىٰ لا ولا ٱنْكِفَاء .. .
من كتاب الإنسان الكامل النوراني لمؤلفه :
المهندس أبو أكبر فتحي الخريشا
( آدم )

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ