صور في ذاكرة متعبة
سنين القحط والجوع ،سنين الطفولة الجميلة المرة ببراءتها حد النبوة وبإندفاعاتها المتمردة ، سنين الإنطلاقات الحالمة ،نغازل القمر والنجوم والأفق الرائع، بظحكات لطيفة مسترسلة تسع العالم حبورا وفي القلب أسف ورجاء بحجم طوفان، يدك كل مدائن النور والترف.
هكذا نمررها اليوم سردا ورواية حين يتغير الزمان على نفس المكان وتقهقه الجغرافيا و يتنكر التاريخ و تختلف الوجوه والخلائق ويعدم الشتاء ويختفي الربيع ويتطاول الصيف ليستمر الخريف.
خريف كالح ، بعد صيف شديد الحرارة ، أكثر أيامه برياح الشهيلي ، سحابات عالية بيضاء عقيمة ، تمر سريعة متحللة ، تستدبرها ريح غربية ترفع معها الأتربة والغبار ، لتستمر أياما حتى يصبح (عجاجا ) يكنس أمامه كل أثر للنعمة والفرح ، يصبح فيه الجو مشحونا أصفرا باهتا ، لا ترى سوى الغبار الثقيل يحثو كاتما للأنفاس ، أشجار السدر تكدس على جنباتها الرمل وكاد يغمرها ، المرتفعات القليلة والهضاب الصغيرة يستنزف الريح المغبر علوها ليأخذه إلى سفوحها ،محدثا تموجات متنقلة ، أطل من فتحة صغيرة من جنبات الكوخ ، لاحت له أشجار السرو تتلوى بعنف ترقص بجنون ، السماء بلون التراب ، لا شي يوحي بالخلاص والإنفراج ، لقد تعود أهل البلدة وألفوا مثل هذه الضروف ، ألفوا الحر والبرد وتقلب الفصول ، أضافوه إلى فقرهم و زينوا به، جوعهم ، وكرروه عزفا في سنفونية الشقاء.
تحسس ملاليمه القليلة في جيبه، جرع جرعة ماء ، سحق تحت أسنانه حبات تراب أحدثت صريرا ،تفل مرار، مسح فمه ولسانه بطرف ثوبه، هرول خارجا ، يتقفى أثر مسرب أعدمته الريح.
دلف إلى الدكان ، فرك عينيه ، مسح وجهة ونفض ثيابه ، مرر تحيته للقابعين داخله ، أتاه الرد سريعا مقتضبا دون إهتمام أو إشارات ، الكل منهمك في لعب ( الشكبة) أو ( الرامي) ضجيج ولغط مفعم برائحة السجائر بنكهة الشاي المحترق………… يتبع
سالم عكروتي (أبو عيسى)
تونس
