رسالة بقلم صخر محمد حسين

رِســالــة مــن تــحــت الأنــقــاض
في حيٍّ وادعٍ في مدينة الشهباء يعيشُ المهندس ناجي الورداني في بيت صغير في الطابق الثالث من عمارة تسكنها ثماني عائلات وعائلته الصغيرة المكونة من زوجته الطبيبة نادية وإبنه عامر ذو السبعة أعوام وإبنته أمينة وعمرها لم يتجاوز الخمسُ سنوات ، وهو معروفٌ بدماثة خُلُقه وأنه رجلٌ مِعطاء وُمحب للخير ، لا يرد من يطلب المساعدة منه هو أو زوجته
ناجي : يا زوجتي العزيزة –رِضاء الله عليكِ –لا تنسي أن توقظيني غداً لصلاة الفجر ، لأني سأذهب مُبكراً لمتابعة مشروع العمارات السكنية الذي تُقيمه شركتنا ، ويجب عليَّ مُتابعة المقاولين الذين يُحضرون مواد البناء لأطلع على التزامهم بالمواصفات المطلوبة
نادية : حاضر يا زوجي الغالي ، مع أنك تُجهد نفسك كثيراً ويمكن أن يكون هناك مُساعدين لك لمُتابعة الأمور .
ناجي : لا أطمئن إلا أن أكون أنا على رأس العمل .
نادية : وفقك الله –تعال الآن حضرت مائدة العشاء لنا وللأولاد ، وغداً صباحاً سأوصلهم إلى المدرسة بدلاً منك بما أنك ستخرج مبكراً ، ولكن أود أن أسالك متى سينتهي العمل في فيلَّتَنا حتى نرتاح من السكن في هذه العمارة التي تتسرب المياه من جدرانها وترى التشققات التي فيها.
ناجي : ما نقول يا عزيزتي إلا – لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم – قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : ( من غشَّنا فليس مِنَّا ) ، قريباً سأتفرغ للفيلا بعد أن أطمئن على أن المشروع يسيرُ على خيرما يُرام ، فأرواح الناس أمانة عندي ، فيجب أن يكون البناء على أكمل وجه . هيا الآن للنوم فلدينا غداً يومٌ حافل بالعمل.
(تستيقظ ناديا صباحاً على صوت آذان الفجر، فتجلس وتوقظ زوجها وأبناءها من أجل الصلاة )
ناجي : (يُنادي على زوجته ) : يا نادية – هل شعرِتِ ونحنُ في الصلاة ، وكأن أرض الغرفة تتحرك من تحتنا
نادية : نعم صحيح ، لكني خُفت أن أقول لك ذلك ، سأذهب للإطمئنان على الأولاد في غرفتهم ، ولكن سأُبقيهم مُتيقظين .
( يزداد اهتزاز الشقة وتسقط الأمتعة التي في الغرف ، وبدأ الأطفال الصغار يصرخون هلعاً
ناجي : يا إلهي – يا رب – سِترك يا مُنجي – ( اللهم يامن حفظت يونس في بطن الحوت وحفظت موسى في التابوت وحفظت الحبيب محمد في بيت العنكبوت،احفظنا بحفظك وبرحمتك – اللهم إنَّا راضون بقضائك وقدرك ) هذه هزة أرضية يا ناديا أحضري الأولاد لكي نخرج إلى الشارع .
( ولكنه لم يكد يُكمل كلامه حتى بدأت العمارة تتهاوى ، وأصبحوا وكأنهم في بحر مائج يبتلعهم ، وتُسمع صرخات سُكان العمارة من تكبير الرجال وعويل النساء وبكاء وصراخ الأطفال ، وكأنه يوم القيامة)
ناديا : يا ناجي ، لقد سقطت جدران الغرفة ، وأنا والأولاد مُحاصرون ، ونخشى أن يسقط السقف علينا لأن الأعمدة التي تحمله ستسقط أيضاً قريباً
ناجي : لا تخافي يا عزيزتي – الله مُنجينا ، وكُلنا بيد المولى ، وما عليكِ إلا أن تستعيني بآيات الله التامات
( تتساقط العمارة كُلياً وتُسوى بالشارع ، ويُسمع أنين الناس تحت الأنقاض )
ناجي : ناديا حبيبتي –ناديا –اولادي : عامر-عامر-أمينة أمينة
نادية : ( بصوتٍ خافت ) : لقد سقط علينا السقف ولا نستطيع الحراك
ناجي: أنا أيضاً محصور بين الجدران وأحد الأعمدة الإسمنتية سقط على قدميْ ، ولا أُحسُّ بهما
( يسمع صوت أطفاله يُنادون عليه ) : بابا بنحبك وبنحب الماما تعال أنقذنا
ناجي : يا ناديا هل تسمعيني ؟!! إجعلي إتكالك على الله فهو معنا ، واقرأي آيات من القرآن الكريم فهي سكينة واطمئنان ، قال تعالى : { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ، أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ، قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ }
( يسمع صوت جيرانه وهم أيضاً يصرخون ، ويسمع صوت المُنقذين وآلات الحفر التي بدأت تعمل )
ناجي : نادية- نادية –ناديا- عامر – عامر –أمينة –امينة – أبنائي-زوجتي
( لا مُجيب فأصواتهم خفتت واختفت وغابت )
ناجي : يبدو –يبدو – لا أستطيع أن أنطقها – ولكن يبقى قضاؤك يا الله ، وهذا قدرك ، ولا رادَّ لقضاء الله
ناجي : يجب أن أوجه رسالة أخيرة عبر هذه القضبان الحديدية وهذه التلال الحجرية التي تُحيط بي ، والحمد لله أن هاتفي لا يزال يعمل ، ورسالتي هذه ستكون عِظة وعبرة إن وصلت لسامعيها هذا إذا حان أجلي ويسمعها الناس من بعدي ، وإذا ظَلَّ في العمر بقية سأنشرها بنفسي
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين
الله يا ذا العِزةِ والجلال يا مُخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة ، ومُخرج الحبة الميتة من السُنبلة الحية ، ويا مُخرج النخلة الحية من النواة الميتة ، ومُخرج النواة الميتة من النخلة الحية ، أخرجني وعائلتي وكل من كان معي في هذه العمارة ، فوكلنا أمرنا لك وحدك ، وتعلقنا بلطفك وكرمك يا عظيم يا ذا العِزةِ والجلال ، ودعائي ورجائي من الله أن تكون زوجتي وأبنائي بخير ، فإن كانوا كذلك فهذا فضلٌ منك وأجرٌ عظيم ، وأبوء لك بنعمتك عليْ ، وإذا توفاهم الله فهذا حُكمك وقضاؤك ، وما علينا إلا الصبر ، والمؤمنون أشدُّ بلوى ، وقال تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ، ورسالتي أيضاً إلى كُلِّ عاملٍ وبنَّاءٍ وُمقاولٍ ومُهندس : ( أن تضعوا مخافة الله بين أعينكم في أعمالكم وأرواح الناس مُعلقة بما تقومون به ، ولا يغُركم متاع الدُنيا قال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } ، واعلموا أن كُل نفسٍ بما كسبت رهينة ، فأخلصوا العمل كما وصاكم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إذ قال : ( إنَّ الله يُحبُّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقنه )
( يُكمل رسالته ويسمع صوت آلات الحفر تقتربُ منه ، وتتعالى صيحات الله أكبر ، ويقترب المُنقذون منه ويُخرجوه من تحت الرُكام ، ولكنه يرفض المُغادرة حتى يطمئن على زوجته وأبنائه ، وما هي إلا لحظات حتى تتعالى صيحات التكبير ، ليُخرجوا زوجته وأبناءه وقد توفاهم الله . )
ناجي : (صمت طويلاً والدُموع تتحجر في عينيه ثُمَّ قال ) : نحتسبهم عند الله شهداء اللهم انزلهم منزلا مباركاً وانت خير المنزلين ، قال تعالى : { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }

صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
2/3/2023

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ