كتب ابو اكبر فتحي مقال بعنوان الهداية

* الهداية *
حينئذ يُسمع لرجلٍ صوتا قد ٱختلط فيهِ هدوءُ النَّسمةِ بزمجرةِ العاصفةِ قائلا:
حدثنا أيُّها المعلمُ الكاملُ عن الهدايةِ حديثا يبددُ الضَّبابَ قدامنا في أفقٍ وآفاق.
ثم تلتهُ اِمرأة حسناءُ الطّلةِ وذات بَهاءِ المُحَيَّا قائلة:
حديثا حدثنا أيُّها المعلمُ النُّورانِيُّ يهدينا سواء السَّبيلِ لضِيَاءٍ أبدًا لا ينطفئُ بين أيدينا ولا تقانيهُ ظلمة.
نظر آدمُ متأملا الأفقَ البعيد، ثمَّ غمر الجمهور بمودةِ محبَّةٍ وبأُلفةِ إِخاءٍ قائلا بصوتٍ ذي موسيقىٰ إنشاد :
يا أخي الإنْسَانُ ..
ٱزل الغشاوة عن بصرِك، السِّتارة من قدّام وجهك، قناعك ألقمهُ النار.
ٱخرج من قتامِ ظلمةِ زوايا نفسِك، من رعدةِ التَّوجسِ، من خباطِ النفاقِ والتساقطِ في الرِّياءِ، من تلكؤاتِ العبيدِ على الأثرِ ومن أثقالِ النيرِ وذلِّ القيودِ، أشرق بنُورِ عقلِك ومحبَّةِ فؤادِك، ثمَّ أنظر هل من أخيلةٍ عليك بضِياءَاتٍ تمورُ فيها عتمات, هل من أثيرٍ ضبابيٍّ أو ذي غبرةٍ وسُمُومٍ ومتسربلٍ بالاِلتِباس والشَّك والغموض.
أخي إنَّك إِنْ تطلبَ الحقيقة برغبةٍ وصِدقٍ قدّامك حياة كاملة تعانقك، فٱخرج من قبوِ العُبُودةِ ومن خلف الجدار المتصدع، وٱمنح من لبِّ فؤادِك لذاتِك المحبَّة ومن جوهرِ الضَّميرِ الصِّدقَ لواعيتِك فالدَّربُ يُفضِي لبحرِ النُّورِ.
ثم نظر آدم المرأة وأردف بعد صمتٍ قليلٍ قائلا :
سيدتي إِنَّ هذا العراءُ المتهدل عليهِ الإشراقُ حقُّ جمالٍ مُتوهجُ النّطقُ يُغري القلوبَ أنْ تخشع صامتة في هيبةِ تسابيحِ كلِّ حُسَّانٍ، ترنو رونقهُ المُهجُ بذهولِ خفاقةٍ وبنشوةٍ مُتجليَّةٍ في المسرةِ تستقطفهُ حُلو الثمار.
وما لي ألّا أكون في عراءِ الحقيقةِ بِكمَالِ التعرِي عن زيفٍ وظلمةٍ أنا هُو الإنسَان.
رَنا ببصرِهِ آدمُ نحو الحقولِ المتراميةِ قدَّام أجنحتِهِ وحلّق فوق الجبلِ الذي يلوحُ في الأفقِ وما أن ٱستدار نحو الجمهورِ حتىٰ نظر الجمع قائلا :
يقول بعضكُم إنَّ القلوبَ بين يدي مآتي الحياةِ تقلبُها في جمرِ النّارِ لرمادٍ وساعة تبردها بماءِ لإزهارٍ، كلا إِنَّما هي أيديكُم تنحرها لنزيفٍ وتارة تضُّخ فيها الدِّماء لتجديدٍ، لقد كان مثل ذلك لقلبي حتى أدرأتهُ هيكل صفاء المحبّةِ وكامل الضِّياء، فسِيَّان إِنْ إنشقت الأرضُ عليها مُكفهرة السَّماء أو ٱرتفعت بحدائِق تجري تحتها الهلاهلُ بروقةِ فضاء، إنّما السَّرُّ يكمنُ في الرّضىٰ والاِعتدال.
ألآ أحبَّتي هاتوا قلوبكُم بلطفِ مودّةٍ من قبضةِ قسوةِ أنفسِكُم تثبت في الصِّدقِ والإيمانِ، ثم ٱنظروا هل من تقلباتِ مَائِرَةٍ من ضلالةٍ وباطلٍ على سَكِينةِ طمانينةٍ وراسخِ ٱهتِداءٍ أمْ مِن قلقِ ٱنزعاجٍ يتنابذكم في حُمَّىٰ تناقض المتضاداتِ وفي لفيفِ ضبابٍ.
صمت قليلا آدمُ ثمَّ أردف قائلا :
إنك يا أخي بين قيودٍ لراسفةٍ تستذلك وأجنحةٍ لحريَّةٍ بك تتكرَّم، أو المراوحة بين الجثوة في أقبية الخنوع تارَّة وتارة الٱنْطِلاقة في فضاءَاتِ أنفةِ الرِّفعةِ، فما من خلاصٍ ما لمْ تعِ بشجاعةٍ معرفة وُجُودك في ميزان الإنسانِ لفوق حيث السُّمُوِّ الإِنسِيِّ، فٱختر أنت حرّا في الأعالي يكن لك سؤدُّد السُّموِّ وتكن أنت الغني الغير مُحتاج خلا لأنت الإنسانُ في جمالِ إِنْسِيَّتك، ثمّ من بعد يصير لك حقيقةِ الٱنفِكاكِ وخالصِ التحرر.
ها أنت معذبٌ نفسَك ..
تخلق أوهامًا على شاكِلتِك ..
أخيلة وصورًا تصيغها صفاتا وأسماءً ..
تقيمُ هياكل في الصَّخر تنحر فيها ذاتك على مذبحِ الخرافات ..
من ضعفك وقلة فهمك تتنزل أوهامًا تصير خيوط عناكبٍ تنسجُ حولك العُبُودة وتطيح برأسك لظلمةِ العماء وتنتزع قلبك لأهواء ما لحقيقةٍ تعلم ..
تلهبك الأماني ٱستغلالا وتلقيك أسير سذاجتك ..
تغيبُ في ثمالةِ الغيبوبةِ عن مَاهِيَّةِ رحلتِك ..
تخسر تألق الحياة بمَا أكننّت من حماقةٍ وجهلٍ ونفاق ..
بما تمرغت في الضّعة والصّغار والاِنْسِيَاق ..
ألآ إنَّ مقامَك لتجوز عليك حقيقة النّسمَة صِدقُ الحيَاةِ ولضمِيرك الحريّ أنت بالإخلاص ..
تموت قبل آوانك في الحفرِ وتلك البذار تخرج من تحت أديمِ الترباء في البريَّة تعانقُ أجنحة النسمات وٱستِرسل ٱشراقاتِ خيوطِ الشمسِ لدفئِها في الضِّيَاء ..
وتلك الطيورُ تتنقلُ بشدوِ أناشيدِها الصَّادِحةِ فـوق الأشجـارِ وعلى شطحـاتِ الماءِ وتجنح بحريتها لكلّ صفاءِ فضاءٍ ..
وأنت بلفائِفِ هواجسِ الضَّعفِ والخوفِ تلتف على بعضِك بلا رفيفٍ من أجنحة أو حتى جناح ..
تتلفَّت حواليك في رجفةٍ من حميمِ هواجسٍ لقهقرىٰ ٱنكِفاءاتٍ ..
تدمن الخرافة لِحقيقةٍ كليِّةٍ يَقينِيَّةٍ ما لك عليها من ظهُورٍ ..
مفتون أنْ تصلح لك تشريعاتُ الخرافةِ وأساطيرها بعضًا من شأنٍ يسيرٍ وإن أفسدت عليك جُلَّ ما تبقىٰ لك من شأنٍ وشؤونات ..
وإنْ ضيعتك الأوهامُ عن سِرَّك الأعظمَ في رحلةِ وُجُودِك مجندلا على صخرةِ الخطيئةِ قربانا أو مقيدا في وَهقٍ الٱسترقاقِ عبدا فما أنت على نفسك لخلاص ..
ويكأنَّك تلهثُ وراء سرابٍ والماءُ المعينُ أمامك بين راحتِيك ..
أنت هو العابد والمعبود أم تراك عن الضّمير من الأفلين ..
الحريُّ لا عابد ومعبود بل أنت على سُلّمِ كمالاتك لكلِّ ٱرتقاءٍ ..
فأَنخ عنك أثقالَ وَهْمِ الوساوسِ وخرافاتِ المجهُولِ ..
وكن بمجاعةِ فؤادِك لعشقِ الطبيعةِ المُتفتحة من مهجةِ زهرة الحياةِ حرّا في عراءِ كلِّ جمالِ وجود ..
كن بنورِ عقلِك وَاقعِيّا مُتزنا وأمينا في كلِّ أمرٍ ..
سكت آدمُ برهة ثمَّ ما لبث قائلا :
حبيبتي الإنسانِيَّة نورٌ يغمرُ الأشياءَ لتتعاظم في نقاوةِ المحبَّة والسَّلام، أعشقك جمالا وخيرا وحرية، فما منك قبحا لا ولا شرّا وقيودا ..
أعشقكِ حقيقة نوراء تفيضُ نورا من نورِ المعتقدِ الإنسِيِّ لا أباطيل أدين تجدف في الخفضِ والخبالِ ..
هيكلك بين ضلوعي في سويداء الفؤاد ..
أنت نور الضَّميرِ الذي لا ينطفئ أبدا وبهاء تألق جمال الوجود ..
تلك وحدة الرُّواءِ ولا قلق بعد ذلك على غيهبِ مصير ..
إخوتي إن هذا العراء معتق يُسكر شهدُهُ لبَّ الوجدانِ والأرواحُ تطوّفهُ بشوّقِ لهفاتٍ من كُنْهِ شهواتٍ جائعةٍ عناقهُ على الأبديَّة ..
أحبائي إنَّ في عراءِ هذا الوجود إنسانيَّتنا فوق حيوانِيَّةٍ وبشرِيَّةٍ وألوهِيَّةٍ لولا قليل من التحرر على سُلّمِ العلاء ..
لولا قليلا من فيض إشراقٍ وتأججِ إرادةٍ وصِدقٍ على المسار ..
يكن حين العروج لحظوة الرابية سِرّنا المتوهج برفعةِ كلِّ سناء ..
تكن كلِّيَّتنا في كينونةِ مركز دائرةِ السُّمُوق فوق كلِّ ظاهرٍ ودون ..
يكن للتوِّ لكلٍّ ما يشاء على ممكن التحقيق لبين يديهِ لا ضربًا من خبالٍ فوق سراب ..
فلتخرجوا من الظلمانِيَّة الموصدة عليكم أنوار مشارق المحبَّة والحريَّة والسلام ..
تكن لكُم حقيقة الحياةِ عَنْ كُلِّ رَادِمَةِ سُقُوطٍ ..
لم يكد يصمت قليلا آدم حتى شرع قائلا :
أعبد ما شئت ..
الرَّب الواحد أو ذو الأقانيم أو مجموعة آلهة أو حتى المحارة في الصدفة أو أنت نفسك ..
فكلُّ المتعبدين سواء جميعهم في ذلِّ الهوانِ عبيد ..
منطقْ لمعبودك وجودا جليلا ..
زيّن لهُ الأسماء والصِّفات ..
إنحلْ كل الابداعات والخوارق والمعجزات لأفعالهِ وكرسها في آياتٍ ومتون..
أجعلهُ كُلّيّ القدرة وفي مطلق المحال ..
ثمّ ٱدع معرفته وسطِّرْ له كتاباً لا تغلق أواخره ..
سواسية المبتدِعُون له تعابير يقينية والمُسْتعْبَدُون ..
سواسية عبيدا أذلاء أمام العربة وقدّام الدّواب عليهم نير السَّائِقة ..
أعبدْ مَا شئتْ ..
ولكن لمّا تكن غير محتاج البتة أن تعبد أيَّ شيءٍ بوعي مكتمل يغمرك بفهم وطمأنينة وحكمة، وحينما يصير لك أجنحة ترقيك متساميا في الأعالي على مرقاةِ ٱلْإِنْسِيَّةِ، آنذاك تغدو متحررا حرا تحوز الحريَّة النورانِيَّة لحيث تصير أنت هو الكامل.
ولو كنت عاجزا أصمًا أبكما أعمى ومريضا بمرضٍ عضالٍ بالآلام الدامية لا تنكفأ للعبوديَّةِ وتتوسَّل إلى إلهٍ منقذٍ من مجهول، أكفّ مردودة ونفوس وضيعت، ألآ لا تفعل وإلا ذاتك خسرانا تخسر.
ولو كنت مضطهدا مقهورًا ولا تشعر بالأمنِ والسَّلام فلا تلجَّ لٱسترحام قوّة ما بِخزي الخورِ وهوانِ الاِنكِسار ..
لا تسقطْ جاثما على أقدامكَ تتعبد فوق الأثر لخلاص ..
دع كل أثر لصاحبه وٱهتم بأنت وما تترك من أثر فحسبك أنت لسموك عن فوق وتحت ..
كن أنت في ٱشتعالِ إرادتك تسمو فوق الهضم والتناقض والضعف والٱحتياج ..
وحين ذاك ولمَّا تكن في صحةِ الفِطرة ونُورِ ضمِيرِك ..
وحين تجد أنت قد كمُلَ في إشراق الوعي وإرادة الحريَّة وزاهِرة الجمال..
تكون أنتَ هو بحقِّ المُستحق وبجدارةٍ وُجُودَهُ، الإنسانُ الحُرُّ الكامل .. .
وما أن سكت آدم حتى شرع قائلا :
ألآ إن الإِنْسِيَّة هي الرَّحمة والخيرُ والسَّلام ..
إِنَّهَا الميزانُ القويمُ والطريقُ المستقيم ..
إنها البَصِيرةُ واليقظة والحقيقة والحق..
إنها الفضيلةُ الكليَّة ومنتهىٰ نضوج الثمرة ..
إنها الأقليد والرّتاج والخلاص ..
إنها رُوْحُ الحياةِ والكلمةُ الكاملةِ والعمل الصَّالح ..
ألآ إنَّ الإِنْسِيَّة الهداية الأسْمَىٰ والمقامُ الأعلىٰ .. .
من كتاب الإنسان الكامل النوراني لمؤلفه :
المهندس أبو أكبر فتحي الخريشا
( آدم )

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ