كتب د . عبد الوهاب الجبوري

صومعة في مدار العتمة
***
في مكان ما من صحراء العمر ، لن يعثر أحد على صومعةٍ جدرانها من أحلام ، وبابها من ظمأ .. يقطنها زاهدٌ طهارةُ روحهِ تنتشي بتسبيحات السحر وفجره ينكبّ على الأرض ، وهو يتهجد في محرابه ، جالسا على حصيرة مهترئة قديمة ، عليها كسرة خبز يابسة ومخدة من قش وزمزمية ماء فارغة .. وجهه موشّح بلون الردى وإنفعال الشهادة ، وعلى ملامحه إرتعاشات نحولةٍ وأعضاءٍ تذوب ، تنتظر قدوم القوافل التي تمر بالقرب من المكان في طريقها للديار المقدسة .. كان وحده يشرب الظلمة ويغفو في خلايا قامته المنغرزة في الرمل .. تطلع إلى الكثبان الممتدة أمامه بلا نهاية ، وأستعرض في ذاكرته شريط الحزن والمأساة الذي مازال يدور بلا توقف .. تذكر أن حراس السلطة يزرعون خشبا للتوابيت ، ويكتبون في الرماد تأريخهم الأحمر ، وكيف أنهم باعوا الفقراء إلى الموتى من الأحياء .. غمغم بأسى : أهذه الغربة التي نعيشها هي من برد الليالي ، أم أنّ أهذا الفقر الذي يأكلنا من جود الأيادي المغلولة الى أعناقها ؟ أم أن هذا الحجر الصامت أجزاء من قبورنا ؟ ربما ، فأنا أعرف أن نضرة الشباب فينا قد أفلت في غير وقتها ، فيما تولتنا شيخوخة مبكرة ، وأصبحت شمسنا مجدورة الوجه ، تسودّ في فضاءات جوعٍ بلا وطن وعطشٍ بلا كفن .. أضاف : لا غرابة فيما يحصل في بلداننا ، فقد أصبحنا مزادا لسماسرة باعوا ضمائرهم بثمنٍ بخسٍ في الدهاليز المظلمة ، فيما يبقى مستقبلنا مرهونا بريح صفراء أو معلقا بخلخالِ غانيةٍ تتمطّى فوق أحزان القمر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم !

د.عبدالوهاب الجبوري
الموصل في 2023/6/8

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ