ضميرنا —- مصيرنا
نقول في عبارات المدح والذم : هذا إنسان فاضل وخيِر ، وهذا تبرع بمبلغ كذا أو قام ببناء مشفى على حسابه ، ونقول عن آخر هذا إنسان شرير ، وهذا قاتل وسارق إلى غير ذلك من الصفات ، ولكن ما هو العامل الذي يجعل من انسانٍ ما خيراً وآخر شريراً ؟
إنه الضمير . فما هو الضمير ؟!
إنه مفتاح نفس الإنسان وكاشف سرها ، والعثور عليه قد يكون بالمصادفة ، وفي لحظة تأنيب ومناجاة للنفس من أجل النجاه من عذابها ، وهو ما نسميه صحوة الضمير والإنسان هنا يتجاذبه تياران – تيار الخير وتيار الشر ، قال تعالى في سورة الإنسان – الآية 3 : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } وقال الله عزَّ وجلْ أيضاً في سورة البلد – الآية 10 : { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } .
لنتخيل شخصا دفعته نفسه ليقوم بعمل شائن ، ولنفترض بأنه سوَّلت له نفسه سرقة تفاحة من بستان مثلاً وهو لأول مرة يُقدِم على مثل هذا العمل ، سينتابهُ دافِعان – واحد يدفعه الى الرذيلة والشر المتمثل بسرقة حبة تفاح من هذا البستان ، وآخر يمنعه ويزجره ، ويجذبه إلى الفضيلة ، ففي أعماقه يدور صراع بين الشهوة الشريرة ، والضمير المستيقظ ، فكل منهما يحاول جاهداً التغلب على الآخر ، فإن تغلبت النفس الشهوانية على الضمير النقي للمرء ، فقد ضاع صاحبهُ وانحرف عن جادة الصواب ، ويبقى الضمير هائماً في متاهات النفس باحثاً عن طريق الخلاص ، والعودة بصاحبه إلى جادة الصواب ، وخلاص النفس البشرية من شهوة الشر الجامحة لا تكون إلا بضربة قاسمة تفيء بصاحبها إلى رشده ، ليمثُل أمام محكمة الضمير لينال الحكم العادل . وعندها يبدأ بتأنيب نفسه التي أملت عليه الشر ، ويندم ولات حين مندم ، وينطبق على ما أوردت من قتل الضمير ثم البحث عنه قول الشاعر:
نحرتم ضمائركم في الخفاء وطفتم حيارى بأشلائها
وفي هذا الصدد ، لا بُدَ لي من أن أقول أن النرجسية وحب الذات وتقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة والتحكم في مصائر الشعوب ، وعدم الإخلاص في العمل والإستغلال والإحتكار بأنواعه ، كل هذه نتائج بينة لفقدان الضمير .
فمصير الأمم متعلقٌ بالضمير ، فإذا كان الضمير حياً كان لصاحبه النجاة ، وإذا كان ميتاً كان له الهلاك والضياع ، وما الضمير الحي إلا شعلة متقده تضيئ لصاحبها طريق الخير.
أما الضمير الميت فصاحبه كالسائر في طريق تلفُهُ حلكة الظلام،ولا يعرف إلى أين المسير ؟!
وإلى أين ينتهي؟. وماذا سيصادف عبر مسيرته الزمانية والمكانية ؟.
ولكن هل هناك علاجٌ لذوي الضمائر المعدومة ؟
قد يستهجن البعض قولي: نعم هناك علاج ، ومن الممكن تحقيق ذلك إذا تخلصنا من العوامل الدافعة إلى الشر وفقدان الضمير، فتحررنا من الطبقية ، ومن إحتكار الأموال ومن الإستغلال وغير ذلك من عوامل الهدم الأخلاقي .
كل ذلك لا يمكن تحقيقه إلا بوجود قاعدة صلبة نقف عليها ، وننطلق منها ، وهذه القاعدة قوامها الوازع الديني والإيمان بسيادة الخير ، والقناعه بما قُسِمَ لنا من أرزاق ، فبذلك نصل إلى شط النجاه من شرِ أنفُسِنا وسواد ضمائرنا ، قال تعالى في سورة الذاريات – الآية 22 : { وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22) فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23) } .
ولا ريب في أن كل هذه العوامل متوفرة في أُمتينا العربية والإسلامية ،فبعقيدتنا وبديننا الحنيف ، وبتعاليمه السمحة ، نستطيع أن نقضي على كل نفسٍ أمارةٍ بالسوء ، ونرتفع بها إلى الخير والصلاح ، فكل أفراد المجتمع يكونون سواسية كأسنان المشط ، فلا فرق بين واحد وآخر إلا بالتقوى ، فلا طبقية ولا رأسماليه ولا إستغلال ، ولا إحتكار وبوصولنا إلى ذلك نكون في طريقنا إلى القضاء على كل نوازع الشر ، فباتباعنا تعاليم ديننا يكون فيه صفاء نفوسنا ونقاء ضمائرنا ، فالضمير بلا دين كالمحكمة بلا قاضي ، فبغياب الضمير يموت كل شيء فتموت المبادئ وتُكفّن الأخلاق وتُدفن القيم الإنسانية ، وعن موت الضمير أقتطف بعض الأبيات للشاعر كمال الدين القاضي : موت الضمير بكل شيئ يهمل وأداء فعل ناقص الإتمام فالزور موت للضمير وآفة في كل شرع طيب الأحكام الكل يحيا بعد موت ضميره في بقعة الإفساد والإظلام من عاش في ركب الوشاة فانه باع الضمير بسلعة الأوهام والمرء أن باع الضمير بنزوة قد باع نفسا دون أي مقام الظلم نار في كتاب يذكر والعدل نور عند كل زمام إنصح أخيك أن يقوي ضميره حتى يعيش برحمة العلاْم
صخر محمد حسين العزه
عمان الاردن
14/8/2023
