بقلم صخر محمد حسين

مــا بــيــن أصــالــة الــفُــصــحــى وعــراقــة الــعــامــيــة
قال الله تعالى في سورة التين – الآية 4 : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم مكتملاً متناسب الأعضاء ومميزاً عن باقي كائناته ، ومن أجمل وأعظم تقويم في الإنسان إن خلق لهُ لساناً ناطقاً وعقلاً مُفكراً يختلف فيه عن باقي مخلوقاته وجعله أجمل المخلوقات وأرقاها تكويناً وقدرات ، وجعله سميعاُ بصيراً متكلماً وأمده بالعقل للتفكير ومنحه قلباً نابضاً ومن محاسن خلق الله في اللسان ليتكلم به الإنسان ويعبر فيه عن أحاسيسه ومشاعره وإدارة أموره مع باقي البشر ، فلسان الإنسان صغير الحجم عظيم الأثر وهو ترجمان ما حواه العقل والقلب ، ومع كل هذه النعم العظيمة التي ينبغي عليه شكر الله على ما حباه من نعمه نجد أكثر الخلق جاحدين ، بل يحاولوا أن يخرجوا عن فطرة الله وعن سننه ، فنجدهم منشغلين باللهو واللعب ورضوا لأنفسهم بأسافل الأمور وسفاسف الأخلاق ويحاولوا فرضها على غيرهم من الأمم ومن إعجاز الله وعظمته أن جعل لكل أُمةٍ بشريةٍ لساناً خاصاً بها يختلفُ عن ألسنة بقية الأمم الأخرى ، وكذلك نرى أن لكل أمة لها لهجاتها الخاصة تتنوع حسب مكونات بلدانها وتنوع وتشعُب مجتمعاتها .
ما أود طرحه في هذا المقال هو أثر اللغة العامية على اللغة العربية الفصحى ، وكيف دخلت عليها اللهجات العامية ؟ وما مصدرها وما تأثيرها على اللغة الفصحى وعلى الناس ؟ وكيف علينا أن نوافق بينهما دون تأثير العامية على الفصحى ؟ ، فاللغة الفصحى هي اللغة المشتركة لكل أمتنا العربية ، وهي لغة القرآن الكريم ، وهي من أعظم اللغات التي كرَّمَ الله الأمة العربية بها ، ولكن نرى أن اللغة العربية تشتمل على عدة لهجات متنوعة ، فكل بلد له لهجته الخاصة به ، وتتنوع اللهجات وتختلف من منطقة إلى أخرى في البلد الواحد نفسه ، ويُطلق على هذه اللهجات إسم اللغة العامية .
بداية يجب علينا أن نتعرف على أصل معنى كلمة لُغة ، فقد أكد الباحث المصري الراحل، حسن ظاظا، في كتابه “اللسان والإنسان: مدخل إلى معرفة اللغة” عدم وجود شاهد واحد، في الأدبيات العربية القديمة، على استعمال أسلافنا كلمة “اللغة” بهذا المعنى الإصطلاحي الذي هي عليه اليوم، ليقرّر بعد ذلك أن أصل كلمة “لغة” يوناني من “لوغوس” التي تعني الكلمة أو الكلام، أو العقل. أما الكلمة التي استخدمها العرب للدلالة على معنى “اللغة” الذي نعنيه اليوم فهي: اللسان، واللغة، كما يعرف المختصون، شيء آخر غير اللسان، ليست هناك إشارة واحدة في القرآن إلى اللغة العربية تخصيصاً، وإنما إلى اللسان العربي، ففي سورة الشعراء، يرد أن القرآن نزل بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. وبصرف النظر عن أصل كلمة “لغة” الاصطلاحية، فقد استقرت عندنا على نحو ما شرحه ابن خلدون “اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلِّم عن مقصوده، وتلك العبارة فعلٌ لسانيٌّ ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلا بد أن يصير ملَكة متقررة في العضو الفاعل لها ، وتحت مسمى اللغة يندرج العديد من الإصطلاحات الدالة على اللغة مثل لغة الإشارة ولغة الجسد ، ولغة الآلة ولغة الضاد ، ويُعرِّف أبي الفتح إبن جني اللغة بقوله : ( اللغة أصوات يُعبر كل قوم بها عن غاياتهم أو مطالبهم ، فاللغة إذاً أصوات يُعبر بها الإنسان عن حاجاته ) وبالبحث في أصل اللغة ، يجد الباحث مجموعة من الآراء المختلفة لأصل اللغة ، فيرى بعض العلماء أن اللغة مُلهمة الإنسان إلهاماً ، كما تُلهم الحيوان الأصوات التي يتفاهم بها ، ومنهم من قال إنها فطرية ، وأن الله خلق آدم ولديه غريزة تحمله على التعبير ، وعُبر كل شيء محسوس بصورة خاصة ، وذهب بعض العلماء إلى أن اللغة محاكاة لأصوات الطبيعة مع الإستعانة بالإشارات ثم طور الإنسان الوسائل في التعبير إلى أن وصل إلى النطق ومن ثم الكتابة ، فاللغة سابقة الكتابة ، وعلينا أن نتعرف على تعريف لغة الفصحى والفرق بينها وبين العامية .
اللغة الفصحى حسب ما عرَّفها معجم الرائد : هي كل لغة نهجية تخضع لقواعد الصرف والنحو ولأصول التركيب اللغوي ، وهي لغة الأدب والعلم ووسائل الإعلام والصلاة ، واللغة العربية الفصحى هي لغة القرآن الكريم التي هدانا الله بها عبر إعجاز لغوي علمي لا ينفد نبع تأويل كلماته أو يحاط بمحكمه ومن اللغة الفصحى خرج الشعر والنثر وحُسن البيان وأدركت بديعها مختلف الأمم والشعوب حتى وصفها البعض بأنها لغة الحكمة فهي لغة الأدب ولغة الشعر العربي القديم ، وهي لغة خالصة سليمة من كل عيب لا يُخالطها لفظ عامي أو أعجمي ، وهي لغة العلماء والمفكرين والمثقفين في عالمنا العربي .
إن اللغة العربية الفُصحى تقوم على دعامتين هما : المحافظة على سلامة اللغة العربية من جهة ، ومراعاة التطور الذي تخضع له من جهة ثانية ، والفصحى في جوهرها يجري الكلام على المقاييس الجمالية والنحوية للغة العربية القديمة في أكثر تجلياتها الأدبية وأدق معانيها الفكرية ، وهي اللغة التي تُحاكي القرآن الكريم بوصفه أعلى مراتب الفصاحة وأكثرها جمالاً وبياناً واكتمالاً .
أما بالنسة للغة العامية فهي اللغة المحكية وتتباين الإختلافات فيها باختلاف الأقطار والمناطق في البلد الواحد باختلاف المناطق الجغرافية والجماعات البشرية المتمايزة ، وتميل العامية إلى التبسيط ولا سيما في القواعد حيث تختفي صيغة المثنى تقريباً وينقص عدد الضمائر وتختفي أوزان الجمع وحركات الإعراب ، وهذا يعني أن العامية غير قادرة على أي دور ثقافي في مجال المعرفة العلمية والثقافية ، وعليه فإنه يجب على المتكلم أن يعود إلى الفصحى ليمزجها بتراكيب عامية إن اراد التعبير عن أمرٍ ما ، وهي لا تخضع لقوانين لأنها تلقائية متغيرة تتغير تبعاً لتغير الأجيال وتغير الظروف المحيطة ، وهي تُعبر خير تعبير عن مشاعر الناس وأفكارهم وتطلعاتهم وطموحاتهم ، وهي غير خاضعة لقواعد النحو والصرف وتتصف بالتلقائية والإختزال ، وتفتقد للخصائص الموجودة في الفصحى مثل الإعراب ، وإن أسباب تشكل العامية بلهجاتها المختلفة يُرجعه الباحثون إلى مجموعة من العوامل نورد منها ما يلي :
أولاً : العامل الجغرافي : فقد تتسع الرقعة الجغرافية للمتكلمين باللغة، وتفصل بينهم الجبال والأنهار، ويقل التواصل بينهم، فتأخذ اللغة بالتغير شيئاً فشيئاً، ويسلك المتكلمون باللغة مسلكاً مختلفاً عن غيرهم، مما يؤدي إلى حدوث لهجة جديدة
ثانياً : العامل الاجتماعي : تؤدي الظروف الاجتماعية في البيئات متعددة الطبقات، إلى تعدد الطبقات، فكل طبقة تحاول أن تكون لها لغتها، وأسلوبها المميز
ثالثاً : العامل السياسي : قد يساعد انفصال قبيلة أو دولة، واعتناق المذاهب السياسية أو الدخول في الديانات الجديدة على دخول ألفاظ واصطلاحات جديدة في اللغة، تساهم كلها في تخلّق لغة جديدة بظروف جديدة نابعة من سياقات سياسية في الأصل
رابعاً : الصراع اللغوي : ربما يكون هذا أهم العوامل التي تؤدي إلى تعدد اللهجات، وانتصار واحدة على أخرى، طبقا لقوانين لغوية ؛ فالأقوى حضارة ومادة يكتب له الإنتصار وهذا عائد إلى إلإستعمار وتأثير لغته على الشعوب ، واختلاطها باللغة الأم

نحن في مقالنا لا نعيب أو نرفض اللغة العامية ، فهي أصبحت تراثاً لكل شعب ولكن ما أركز عليه في وقتنا الحاضر أن اللغة العامية غلبت في الإستعمال على اللغة الفصحى ، وهذا قد يؤدي إلى جيل لا علاقة له بلغته الأُم ، واللغة العامية مرتبطة بتقدم الأُمم أو تأخرها ، فكلما تقدمت الأمم إقتربت من اللغة السليمة واللغة الفصحى ، وكلما انهارت تزداد اللغة العامية إنتشاراً ، واللغة العامية هي لغة قوميات ، ولكن اللغة العربية الفصحى هي اللغة الجامعة وهي الهوية لهذه الأمة ، فمحاولة تجاهلها هو استهداف لوحدة الأُمة وثقافتها ولكل جوانب حياتها ، وخلافنا مع العامية هو حين يخرج الهدف عن تسيير قوانينها الطبيعية ، ويكون الهدف من توسعها هو إقصاء لغة الأمة الجامعة- اللغة الفصحى – لغة القرآن الكريم ، وهي كانت قبل الإسلام ولكن بعد دخول الإسلام ودخول أقوام أخرى غير عربية كان له الأثر في تشكُل اللغة العامية وتأثيرها على الفصحى ، ولكن في نفس الوقت لا نستطيع أن نتجاهل اللغة العامية أو إنكارها ، ولكن تبقى مشكلة المجتمع في التعامل معها ، فمن الأمور المهمة التي نواجهها هي عند دخول أطفالنا إلى المدارس ، فيكون الطفل في أسرته معتاداً على الحديث باللهجة التي فُطِر عليها منذ ولادته وهي لغة أسرته العامية ( المحكية ) وعندما يدخل المدرسة يواجه باللغة الفصحى في تدريسه فيصبح أمام تعلم لُغتين ، وتزداد المشكلة عندما يقتصر التعليم على مُدرس اللغة العربية ، وأيضاً قد يتحدث بعض معلمي اللغة العربية مع طلابهم باللغة العامية وكذلك باقي مدرسي المواد الأخرى ، فهذا له أثره على الطالب وعلى تعامله مع لغته الفصحى ، فإذا سافر إلى بلدٍ عربي آخر سيتواجه بصعوبة التعامل بلغاتهم العامية التي بعضها يصعب فهمه كلهجة بعض أبناء المغرب العربي كالجزائر والمغرب وتونس .
ولهذا يجب على المؤسسات التربوية أن يكون تعليمهم للغة العربية الفصحى كلُغة معرفة وليس كلغة علوم ، حيث أن الطالب في مدرسته يتعلم اللغة العربية كمجرد حصص ومعلومات ولن تفيد الطالب بشيء ، إلا إذا تحولت إلى معرفة ، ومن الأمور التي تزيد تعقيد المشكلة بين اللغة الفصحى واللغة العامية ، هي الأمور التالية :
أولاً : مسالة طُغيان اللغات الأجنبية في تناول الموضوعات العامة ، وهذا يؤدي إلى غياب العمل العربي الجاد الذي يُمكن أن يُتيح المعلومات المتعلقة بهذه الموضوعات بشكل موثق
ثانياً : العامية هي لغة السواد الأعظم لمجموعة من الناس، بينما الفصحى تقتصر على الخاصة
ثالثاً : من يتحدث العامية، ولا يقوى على القراءة والكتابة، يعاني صعوبة في فهم واستيعاب ما تعنيه
رابعاً : تحرر العامية من التقييدات والأحكام اللغوية، لتنطلق على سجيتها الكلامية باعتبارها اللغة المحكية بأحكام الصرف والنحو والألفاظ الدلالية المنتقاة
خامساً : إفتقار العامية إلى ما لا يحصى من المصطلحات العلمية والفنية، والمفردات المستحدثة ، ولا سيّما مستلزمات التطور الحضاري والتقدم التكنولوجي

وختاماً أقول إن العزوف عن الفصحى وظهور العاميات بقوة على ساحتنا العربية هو نتيجة منطقية لتمزق الأمة وتشرذمها في عصور انحطاطها، وتقطع الأواصر بينها في السياسة والاقتصاد ، لتصبح كل دويلة شعباً مستقلاً تباعد المسافة بينها وبين أشقائها، ويقل تبعاً لذلك التواصل الفكري والاجتماعي، وتتقوقع كل دويلة على نفسها في بيئتها الضيقة المحدودة، ويتولد من ذلك تفكك اجتماعي يتبعه تفكك لغوي مضطرد ، وهذا ما يؤكده الأفغاني حيث يقول: “هذا هو منشأ اللغات العامية تجلى أعراضاً مرضية لا تعرفها الأمة في صحتها وقوتها ووحدتها” .
ولهذا يجب أن نعود إلى لغتنا العربية الفصحى التي هي اللغة الأم وهي الأصالة دون التخلي عن العامية كتراث وعراقة ، فاللغة العربية الفصحى هي لغة القرآن الكريم ، ومهما تكلمنا عن جوانب عظمة اللغة العربية ومهما تكلمنا لا نقدر شيئاً قدسه الخالق جلَّ وعلا حق قدره كلغتنا العربية فحسبها إنها لغة القرآن الكريم ، وقد قال تعالى في سورة الزخرف – الآية 3 : { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ، وقد تكفّل الله – سبحانه و تعالى- بحفظه لهذه اللغة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، و منذ عصور الإسلام الأولى انتشرت العربية في معظم أرجاء المعمورة وبلغت ما بلغه الإسلام من رِفعةٍ شأن وارتبطت بحياة المسلمين فأصبحت لغة العلم و الأدب والسياسة و الحضارة فضلاً عن كونها لغة الدين والعبادة .
لقد استطاعت اللغة العربية أن تستوعب الحضارات المختلفة؛ العربية، والفارسية، واليونانية، والهندية، المعاصرة لها في ذلك الوقت، و أن تجعل منها حضارة واحدة، عالمية الإنتشار، إنسانية الرؤية، وذلك لأول مرّة في التاريخ، ففي ظل القرآن الكريم أصبحت اللغة العربية لغة عالمية، واللغة الأم لبلاد كثيرة. إن أهمية اللغة العربية تنبع من نواحٍ عدّة؛ أهمها: ارتباطها الوثيق بالدين الإسلامي والقرآن الكريم، فقد اصطفى الله هذه اللغة من بين لغات العالم لتكون لغة كتابه العظيم و لتنزل بها الرسالة الخاتمة قال تعالى في سورة يوسف – الآية 2 : {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }، و من هذا المنطلق ندرك عميق الصلة بين العربية والإسلام ، ولله درُّ الشاعر حافظ إبراهيم إذ تجلى في وصفها في قصيدته ( أنا البحر في أحشاءه الدُرُّ كامنٌ ) ودعوة منه لأبنائها لالحفاظ عليها ، وتنقيتها من لغات دخيلة عليها ، وأقتطف بعض أبياتها :
رَجَعْتُ لنفسي فاتَّهَمْتُ حَصَاتي وناديتُ قَوْمي فاحْتَسَبْتُ حَيَاتي
أَرَى لرِجَالِ الغَرْبِ عِزَّاً وَمِنْعَةً وَكَمْ عَزَّ أَقْوَامٌ بعِزِّ لُغَاتِ
أَتَوا أَهْلَهُمْ بالمُعْجزَاتِ تَفَنُّنَاً فَيَا لَيْتَكُمْ تَأْتُونَ بالكَلِمَاتِ
أَيُطْرِبُكُمْ مِنْ جَانِبِ الغَرْبِ نَاعِبٌ يُنَادِي بوَأْدِي في رَبيعِ حَيَاتي
أَيَهْجُرُني قَوْمي عَفَا اللهُ عَنْهُمُ إِلَى لُغَةٍ لم تَتَّصِلْ برُوَاةِ
سَرَتْ لُوثَةُ الإفْرَنْجِ فِيهَا كَمَا سَرَى لُعَابُ الأَفَاعِي في مَسِيلِ فُرَاتِ
فَجَاءَتْ كَثَوْبٍ ضَمَّ سَبْعِينَ رُقْعَةً مُشَكَّلَةَ الأَلْوَانِ مُخْتَلِفَاتِ
إِلَى مَعْشَرِ الكُتّابِ وَالجَمْعُ حَافِلٌ بَسَطْتُ رَجَائي بَعْدَ بَسْطِ شَكَاتي
فإمَّا حَيَاةٌ تَبْعَثُ المَيْتَ في البلَى وَتُنْبتُ في تِلْكَ الرُّمُوسِ رُفَاتي
وَإِمَّا مَمَاتٌ لا قِيَامَةَ بَعْدَهُ مَمَاتٌ لَعَمْرِي لَمْ يُقَسْ بمَمَاتِ
ويكفي لهذه اللغة أنها لغة الوحي الإلهي ،ولهذا يتميز القرآن الكريم بإعجازه بإنه إعجاز لغوي عربي ؛ معجز لأهل اللغة الناطقين بها وغير القادرين على الإتيان بمثله قال تعالى في سورة الإسراء – الآية 88 : { قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}.
وإعجاز القرآن يعني قدرة القرآن على أن يكون في أعلى درجات التميز والتفوق في الفصاحة والبيان والأحكام بحيث يعجز البشر عن الإتيان بمثله، وقد تحدى العرب به، لأنهم كانوا يعتزون بفصاحتهم وبيانهم، فتحداهم أن يأتوا بمثل القرآن، فإن عجزوا عن ذلك فلا مناص من تسليمهم بأنه كتاب الله المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
إنَّ من بلاغة هذا القرآن العظيم وإعجازه الخالد أن كل كلمة فيه وكل حرف وضع في موضعه المناسب من السياق، ليعبر عن معنى أو معان لا يُدركها إلا من له اطلاع واسع على لغة العرب، أو من رزقه الله -تعالى- تدبُّـرَ كتابه، ونوَّر قلبه، وألهمه دقيقَ المعاني، فكلُّ جملة أو كلمة أو حرف في كتاب الله -تعالى- وضع في موضعٍ يناسبه مناسبةً عجيبة
ولا يفوتنا أنها الأولى في من ينتسب الى شريعة تنطق بها من تعداد المسلمين في العالم في حوالي ما يفوق الملياري مسلم ممن نطق بها في اداء فرائض الاسلا م فهي لغة قومية للعرب ، ولغة عقيدة وفكر للمسلمين ، وبالتالي نقيس قيمتها من بين لغات العالم بقداسة ما ينطق وليس كلام ما دون القداسة لأن الشيء المقدس مفضل من العجمي فضلاً عن العربي ، وهو معرفة دين الحق والإيمان به من منطلق اللغة التي نزل بها. ويكفينا كذالك أن اللغات الأخرى لا تفي لترجمة معاني اللغة العربية لدقة مقاصدها في حين أن اللغة العربية تسمو بغنى معانيها إذ تحوي مقاصد معاني غيرها من اللغات ، ولهذا فإن لُغتنا العربية هي الوعاء الزاخر بالعلوم والمعارف التي تشحن ذاكرة الإنسان وتطور ملكته الفكرية ، وهي النور الساطع الذي ينير أمام الباحث مسالك المعرفة ويمده بالقوة والشجاعة ليكتسب طلاقة اللسان وجمالية الأسلوب والدقة في انتقاء المفردات التي ستساعده على طرح كتابة متميزة تجدُ لها آذاناً صاغية عند المتلقي ، ومع هذا يظل الإنسان عاجزاً أمام جمالية اللغة وروعتها ومهما غاص في أعماقها ونهل من معارفها فهو يحتاج إلى المزيد ، فلا تفرطوا بلغتكم وعضوا عليها بالنواجذ وتبقى العامية هي اللغة المحكية بين شعوبنا ولكن يجب المحافظة على اللغة الأم – اللغة العربية الفصحى ؛ لغة القرآن الكريم ، ولله درُّ الشاعر صبري الشماس ، إذ قال فيها :
هام الفـؤاد بروضـك الريان أسمى اللغات ربيبة القرآن
أنا لن أخاطب بالرطانة يعربا أو أستعير مترجمًا لبياني
أودعت فيك حشاشتي ومشاعري ولأنت أمي والدي وكياني
لغة حباها الله حرفًا خالدًا فتوضعت عبـقًا على الأكوان
وتلألأت بالضاد تشمخ عـزةً وتسيل شهداً في فم الأزمان
فاحذر أخي العربي من غـدر المدى واغرس بذور الضاد في الوجدان
ما كان حرفك من “فرنسا” يقتدى أو كان شعرك من بني “ريغان”
ولئن نطقت أيًا شـقيقي فلتقـل خيـر اللغات فصـاحة القرآن
المصادر :
1 – اللغة العربية تدخل العصر –العربي الجديد –أمجد ناصر
2 – اللغة العربية بين تجني العامية وأصالة الفصحى –جلسة حوارية في صحيفة الرأي
3 – مشكلات اللغة العربية المعاصرة- مكتبة الراساة – محمد البرازي
4 – مجلة عود الند الثقافية –وفاء نجار
صخر محمد حسين العزة

عمان – الأردن

27/8/2023

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ