اسم المسرحيه : ظلمات الظلم
المشهد: تهبط أرضاً ساحةٌ واسعة، يغشاها ضوءٌ قمريٌّ فضيّ، وفي وسطها صخرةٌ عتيقة. يهبط من علٍ ملكٌ جليل، تتلألأ أجنحته من فضةٍ و نور، ويحيط به هالةٌ من الوقار. يقترب من الصخرة فيرى خلفها ظلاً طويلاً متطاولاً، هو إبليس، وقد التفَّ حوله الظلام كرداءٍ مهترئ.
الملاك: (صوته كهمسات النسيم في الأغصان، ناعمٌ وحازم)
يا إبليس، ما أنزلك هذه الأرض التي ملأتها بركاتُ الطائعين؟
أليس لك في ملاذٍ آخر تغوي فيه الضالين؟
إبليس: (يستدير ببطء، تتقد عيناه كجمرتين في ظلمة، وصوته كصريف الحجارة)
بل ما أنزلك أنت هنا أيها الملاك المُقيَّد! أتيتَ تتباهى بطاعتك المُجبرة، وعبادتك المُكرَه عليها؟
الملاك: (يُنير جناحاه المكان بنورٍ رقيق)
ليست القيودُ إلا على من يراها كذلك. جئتك ناصحاً، مُشفقاً. إن الباب مازال مفتوحاً، والتوبة مُشرعةٌ لكل تائبٍ منيب.
فما يمنعك أن تَرُدَّ قدميك إلى حيث كان مقامك، وتعود إلى رحاب التقوى و المغفرة؟
إبليس: (يقهقه ضاحكاً، وصوته يجعل الأجواء قاتمة)
التوبة؟!
أتحدثني عن التوبة وأنا الذي حاربت منذ الأزل؟!
لو كنتُ مثلك، مُسَلَّمَ القياد، مُغَلَّبَ الإرادة، ما عصيت ربى طرفة عين!
ولكن لي إرادتي، ولي حريتي، فأنا أختارُ عصياني، وأتمرد باختياري!
الملاك: (يهز رأسه بحكمةٍ وأسى)
يا غافلًا عن الحكمة! ألم يكن لك إرادةٌ واختيارٌ حين أمرت بالسجود لآدم فاستكبرت؟
أما الأنبياء والصالحون من بني آدم والجن، فقد أعطاهم الله الإرادة والاختيار، فاختاروا الطاعة، وسَعَوا إلى الجنة. لم يظلموا أو يكفروا لأن قلوبهم كانت نقية، ولم يملؤها كِبرٌ ولا حقد ولا حسد.
إبليس: (يتطاول أكثر، وعيناه تتقدان حنقاً)
هم حمقى! أطاعوا دون أن يسألوا: لماذا؟
أنا سألت: لماذا أسجد لمن خلقته من طين وأنا من نار؟!
سألتُ فكان عقابي!
الملاك: (يتقدم خطوة، نوره يطرد الظلام من حول إبليس قليلاً)
أسأت السؤال يا مُتمرِّد. لم يكن الأمر اختباراً للطين والنار، بل للقلوب والإيمان. وها أنت ذا، من أجل حقدك على آدم وذريته، أهلكت نفسك أولاً، وأهلكت ألوفا من بني آدم والجن، أغويتهم وأسقطتهم في حبائلك الدنسه. فأين الفطنة؟ وأين الذكاء؟ وأين الحكمة التي تزعم؟ إنه الغباء بعينه! أن تهدم بيتك لتحرق جارك!
إبليس: (يبتسم ابتسامةً ماكرةً متعجرفة)
بل هي القوة!
أنا الذي وسوستُ للآلاف، بل الملايين! أغويت الملوك والعُبَّاد، والفلاسفة والشعراء! جعلتهم يحسبون الشهوة حُرية، والظلم قوة، والكفر فكراً! أليس ذلك فطنةً وذكاءً؟
الملاك: (في لحظة إشراقٍ مفاجئ، يصبح نوره ساطعاً قوياً)
إذن، فلماذا تغوي الجن؟! لماذا تُسقِط إخوتك من النار في الهاوية؟
لم يأمرك ربك بالسجود لأحد منهم، فما الذي جرّأك عليهم؟
لماذا تحارب جنسك كما تحارب بني آدم؟!
(يسكت إبليس فجأة. تختفي الابتسامة الماكرة من وجهه. يُغمغمُ ويتراجع خطوة إلى الوراء، كأن الأرض انفتحت تحت قدميه. ظله يتقلص. يحاول أن يتكلم فلا يجد جواباً. إنها الضربة التي لم يتوقعها).
إبليس: (بصوتٍ مبحوحٍ منكسر، كهمسة الثعبان الجريح)
هم… هم… ضعفاء… وأنا…
الملاك: (بنبرةٍ فيها شفقَةُ الحكيم على الجاهل) ها أنت ترى. لقد استولى الشر على كل كيانك، حتى لم تعد تفرق بين الصديق والعدو، بين القريب والغريب. صرت كالثور الهائج، ينطح كل من حوله حتى يحطم نفسه على الصخور. فهل بعد هذا العمى من عَمى؟
(ينتشر الصمت. يبدو إبليس صغيراً، تافهاً، منكمشاً في ظله. أما الملاك فينشر جناحيه العظيمتين).
الملاك: السلامة في الطاعة. والعزة في التسليم. والحرية الحقيقية في الانقياد لله. ضلَّ من ظن غير ذلك.
يرتفع الملاك في الجو، تاركاً إبليس وحيداً في ساحته المظلمة، يحاول أن يجمع شتات حجته المنهارة، وأن يعيد تركيب كبريائه المحطم، لكنه لا يجد سوى الفراغ. وأخيراً، يختفي الملاك في الأعالي، ويبقى إبليس وحيداً مع حيرته و عذابه: تلك الحجة التي لم يجد لها رداً، وذلك الشك الذي زرعه ملاك الرحمة في قلب ملك الظلام: أيكون كل هذا العناد وهذه الحرب الطويلة… خطأً فادحاً؟!
(تبقى الإجابة معلقة في الهواء، ويبقى إبليس أسيرَ سؤاله الذي لا جواب له).
ثم يسدل الستار
النهاية….
محمدعبدالخالق
